الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة برق الليل يحلق في بيت الرواية... بقلم خيرية بوبطان

نشر في  23 مارس 2019  (20:58)

 بقلم خيرية بوبطان 

طيلة أيام ثلاثة في بيت الرواية بمدينة الثقافة طالعتنا صورة "برق الليل" محلّقا فوق أسطح المنازل. وجه برق الليل شفتان غليظتان وقد زمهما فبدا كمن اتخذ لتوه قرارا حاسما بملامحه الفطنة وقبعته البيضاء وقرطه الأبيض وذلك الجلباب القصير الأخضر بشقّ خفيف وبلغته السوداء المتجانسة مع لون بشرته. إنه "برق الليل" يحلق هربا وطمعا. هربا من ذل القيد وطمعا في الحرية  والحب.

هي الصورة الشعار التي اختارها منظمو ملتقى تونس للرواية العربية في دورته الثانية. ألهم البشير خريف الأب المؤسس فريق العمل في بيت الرواية.  إذ كان الروائي التونسي سباقا لطرق هذا الموضوع الشائك. برق الليل صاحب "البشرة السوداء" الزنجي بطل رواية تحمل اسمه بذاكرته الجريحة هي ذاكرة ظلم الإنسان لأخيه الإنسان عبر التاريخ أخ ينكره ويتنصل منه لينزع عنه إنسانيته ومن ثم يستعبده لا لشيء إلا لأن لونه أسود.

لقد استعاد  البشير خريف  في روايته برق الليل بقصة خطف الأم وطفلها عوالم رسخت في الذهن عن إفريقيا والعبيد فحضرت في النص قصص موازية وصور ثابتة للعبد الأسود الذي سكن للعبودية وحاول التخفيف من جرحه بالرقص والغناء.

 قد تبدو الصورة للوهلة الأولى نمطية لكن سرعان ما يكتشف القارئ أن برق الليل يتخطى ذل العبودية ليصبح بطلا فذا وأهلا لأن يحمل الرواية على عاتقه رمزا دالا يفتح على نوافذ مشرعة على الواقع وحلم التغيير.

غير أن ما بدأه برق الليل لم يكتمل إلا في حكايته أما الواقع فظل على حاله. فإن زالت العبودية قانونا فقد بقيت كامنة في الضمائر عبر موروث ثقيل لم يستطع الأفراد التخلص منه. حتى وإن أنكروا فلغتهم تفضحهم قبل المواقف.

و ما زلنا نسمي إلى الآن الأسود وصيفا وعبدا. ونسمي المرأة السوداء وصيفة أو خادما ونطلق على كل صخب "عرس عبيد". بل نسمي مدنا ودولا على لون بشرة سكانها أو تاريخ عبوديتهم. وفي جهة مدنين مثلا بالجنوب التونسي  مدينة "عبيد غبنتن". حتى أن الفلفل الذي يأتي من "إفريقيا السوداء" نسميه "فلفل بر العبيد". وغير هذا كثير مما تغلغل  فارتقى إلى مرتبة البديهي الذي لا يقتضي أن يكون موضع سؤال أو بحث.

لكن فريق عمل بيت الرواية بقيادة مديرها كمال الرياحي رموا الحجر.

"قضايا البشرة السوداء" موضوع ملتقى تونس الثاني للرواية العربية الذي استمر لثلاثة أيام عرضا ومساءلة ونقاشا. روائيون عرب  جاؤوا بأعمال كتبت عن الجرح ووثقت جرائم الإنسان الأبيض ضد الأسود أو الأسود ضد الأسود وجرائم الأبيض ضد الأبيض.

لنتبيّن أن العنصرية لا لون لها بقدر ما هي فكرة سيادة القوي على الضعيف والغالب على المغلوب. لعبة قانونها يوم لك ويوم عليك فلا يعرف فيها المرء متى يحين دوره ليسقط ضحية توحش الإنسان مكبلا بقيد العبودية. 

محاضرتان وست جلسات علمية. تلك هي حصيلة هذا الملتقى.

في الافتتاح محاضرة دقيقة وثرية للدكتور شكري المبخوت.  ثم جلستان علميتان تحت عنوان العبودية في الرواية الأولى بإدارة  الناقد والإعلامي محمد بن رجب استمعنا فيها لشهادات الروائية سميحة خريس من الأردن والروائي نبيل سليمان من سوريا والروائي حمور زيادة من السودان والروائي إبراهيم الدرغوثي من تونس.     

أما الجلسة الثانية فكانت بحضور الروائية سلوى بكر من مصر والروائي منصور الصويم من السودان وقد أبرزا تجليات العبودية في الرواية من خلال حكايات عن معاناة الإنسان الأسود. وكان شرف رئاستها.

في اليوم الثاني بدأت الرحلة على وقع آخر فكان اللقاء مع أصوات من الشعر الإفريقي. إذ أخذنا الصديق المبدع جمال الجلاصي إلى عوالم الأسلاف وسحرهم. فرقصنا معهم على إيقاع الطام طام لنطرد الأرواح الشريرة ونحن نطوف بالغابات وقد عبقت بروائح البخور والصندل. لنتحرر بكلمات سنغور وسيزار. لقد امحت بجملة سيزار:

 " كمن يرميك بحجر فتحولها إلى بيت" بعض الخطيئة.

 ثم ناقش المتدخلون العنصرية في الرواية أدار الجلسة الأولى الناقد التونسي أشرف القرقني بحضور الروائية التونسية آمنة الرميلي والروائي السوداني حجي جابر والروائي المغربي إبراهيم الحجري والروائي المصري السوداني طارق الطيب.

وفي الجلسة الثانية قدم المبدعون  التونسية سنية الشامخي والعراقي علي بدر والتونسي صلاح الدين بوجاه برئاسة وفاء غربال مشاهد من العنصرية من خلال تجاربهم الخاصة.

أما اليوم الثالث فخصص في جلستيه للبشرة السوداء مقاربات التحرر.

بمداخلات كل من في الجلسة الأولى برئاسة سفيان العرفاوي وقراءات للمبدعين مسعودة بوبكر من تونس ومن البمن علي مقري ومن سورية أسماء معيكل ومن تونس الهادي ثابت ونور الدين الخبثاني.

وأما الجلسة الثانية فكانت برئاسة حاتم التليلي ومقاربات كل من مصطفى الغتيري من المغرب ومن تونس محمد عيسى المؤدب وهاجر بن إدريس ومن الجزائر الصديق أحمد ومن العراق عبد الله إبراهيم.

وكان اليوم الختامي مميزا بتكريم ضيف الشرف إلياس خوري. وقد ألقى محاضرة أعتبرها تاريخية لسببين الأول هو توثيق المسار التاريخي للرواية العربية والثاني طرح تساؤلات عميقة تعلقت خاصّة بنظرة المبدع إلى نفسه ونظرته إلى المتلقى والوضع الراهن.

 فبعد تجربته الطويلة في الكتابة يعترف إلياس خوري بأن الأمر يلتبس عليه إن كان هو هو أم أنه أصبح ظلا من ظلال شخوصه. هل هو الأصل أم الصورة. وقد "صارت ظلال الصورة كأنها هي الصورة الأصلية".

  لقد أربكتني هذه الفكرة شخصيا. وأنا أتخيل نفسي وقد صرت شبحا لشخصيات ابتكرتها تسرقني  لتسكنني حتى أتلاشى فيها وأتحول إلى مجرد ظلّ. أي نهاية سريالية هذه للمبدع ؟ علي إذن من الآن فصاعدا وأنا أكتب التفكير في هذه النهاية.

ثم طرق إلى "الحكاية الإطار" معتبرا إياها ضرورة لا غنى للنص الإبداعي عنها مستدلا بالحكاية الإطار لألف ليلة وليلة. وفي رأي الكاتب إلياس خوري الرواية بلا حكاية إطار مجرد رطانة بلاغية لا معنى لها وبسقوطها هذا يفقد المبدع  بوصلته ويسقط فيما أطلق عليه "الكابوس".

 "نحن أيتها الصديقات والأصدقاء نعيش اليوم في زمن هذا الكابوس." هذا ما أعلنه إلياس خوري بصوت هادئ وواثق. يا لها من بشرى؟  أو لا تزدهر الكتابة حين تشتد الأزمات؟ يبدو أن الأزمات لا تتشابه. أو هل ما نمر به اليوم "أزمة فوق العادة"؟ والنتيجة "شلل إبداعي".

ليس هذا الزمن الملائم للكتابة كما توهمت. إنه "زمن الكابوس" زمن تكسر أطر الحكاية. وزمن السقوط القيمي والأخلاقي بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية الغاشمة وفشل المعارضة اليسارية في تقديم بناء بديل وظهور حقيقة التيارات الإسلاموية القائمة أساسا على الفرقة والتشتت. هل هو إذن زمن اعتراف جيل بأن أحلامه أوهام. جيل تحققت فيه نبوءة "أوديب" وهو يصطدم بكل مخاوفه التي حاول الهروب منها على مر نصف قرن؟

فالرواية العربية "ما بعد المحفوظية" على اختلاف أشكالها الفنية، مثلما أكد إلياس خوري استطاعت أن تخرج عن النمط السائد في الفن الروائي " رواية زينب" نموذجا وأن تقطع مع الاتجاه الرومانسي فالواقعي لتعيد ربط السرد "باحتمالاته المفتوحة التي تأخذه من الشدياق إلى المقامات و"ألف ليلة وليلة"، أو ترمي به في أتون الواقع اليومي العاري." وفي رأيه استطاعت هذه الروايات أن تكون مرآة وشاهدا على عصرها يمكن من خلالها قراءة. تاريخ الحرب الأهلية في لبنان مثلا.

ولقد صدق في ذلك فالإبداع عادة يقول ما يسكت عنه التاريخ.

 أما وقد انهار كل شيء أصبح المبدع مهددا وعرضة للقتل في حال تفكيره في أن يكون شاهدا والأمثلة كثيرة آخرها اغتيال االروائي العراقي علاء مشذوب.

إذن ما الحل وقد تجاوزنا اليأس إلى "ما بعد اليأس" تسمية أخرى ملفتة يطلقها الكاتب على الوضع الراهن.

ما الذي سيكتبه الروائي ولم يبق له سوى الصمت. على حد عبارة هاملت التي اختارها  لتعبر عن موقفه من كل هذا.

"ما تبقى صمت"

على الروائي أن يكتب هذا الصمت. أن يبدأ حيث سكت الضحايا وأخرست أصواتهم إلى الأبد. عليه أن يستنطقهم "لأن صمت الضحايا يقاوم ضجيج المنتصرين بحقيقته الإنسانية أيضاً".

الصمت هو الحكاية الإطار لمرحلة ما بعد اليأس.

يا إلهي هل من فجيعة أكبر من هذه؟

 نعم.

 فالفجيعة الحقيقية هي أن لا يأتي من ينطق هذا الصمت و يدفن الضحايا في النسيان. الفجيعة أن لا يكتب أحد عن كل هذه العنصرية التي تجتاحنا اليوم. الفجيعة أن تصبح العنصرية جريمة منظمة يحميها القانون. فتتحول إلى مسلمة لا تثير الشغب ولا تحرض على التفكير والثورة. الفجيعة أن يموت برق الليل وكل إخوته المنتهكين على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وأصولهم ومعتقداتهم ويقبروا في هامش المسكوت عنه والطابو.

لا بد من استنطاق الصمت  لتحويل الفجيعة إلى التخييل. وصنع الحكاية القادرة على مواجهة المنتصر مزيف التاريخ. لا بد من "رحلة البحث عن المعنى في المعنى" ليروي الضحايا ليتحقق جوهر العمل الإبداعي،التعدد، ويكون الأدب "نافذة على أفق بلا حدود"

 يمكن القول إذن أن الروائي إلياس خوري قدم من خلال تجربته الذاتية رؤيته للمبدع والمنجز الإبداعي العربي المعاصر بربط الصلة بينه وبين الإرث الحكائي عربيا وإنسانيا وبينه وبين واقع عربي سياسي مأزوم منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اللحظة الراهنة. واقع لم يستطع خلق أفق يسمح برؤية سليمة وتأسيس قوي للمستقبل. وأمام هذا الفشل يجد الروائي العربي نفسه مشتتا عاجزا. وربما لهذا السبب فضل دور شاهد العيان للخروج من مأزقه بأخف الأضرار. 

وإني أشاطر الروائي والمبدع الكبير إلياس خوري في تشخيصه للوضع العربي سياسيا وإبداعيا وما هذه النظرة القاتمة المؤذية إلا محفز ودعوة أجيال قادمة هي حتما تفكر بطريقة مغايرة غير التي نشأت عليها أجيال القومية الناصرية أو اليسار الشيوعي ولا حتى الحركات الإسلاموية المتطرفة أو المعتدلة لتقديم عمل إبداعي حقيقي قادر على التخلص من أتون الهزائم و ترك الأبواب مشرعة على كل الاحتمالات الممكنة.

والإدراك في النهاية أن ليس للكتابة زمن بعينه فكل الأزمنة صالحة للكتابة في الشدة أو الرخاء أو حتى عندما يفقد العالم صوابه حد التطرف مثلما هو الآن وقد "صار الموضوع خارج الموضوع".

 هناك دائما مبدع قادر على اقتناص الدهشة وخلق الإطار. فالإبداع هو من يكتب أي المبدع أولا وأخيرا وبأي وعي يقرأ العالم ويكتبه؟ وها نحن رغم أننا في زمن الكابوس نحظى بنصوص على قدر عال من الحرفية والجمال على غرار "أولاد الغيتو  اسمي آدم" و"رغوة سوداء" و"شوق الدرويش" و"عربة الأموات" و"ميمونة" و"فستق عبيد" وأعمال أخرى كثيرة تشكل مدونة سرد عربي معاصر أهل لمنافسة الأدب العالمي.

 ختاما مثل ملتقى تونس للرواية العربية في دورته الثانية بصمة فارقة باختياره لموضوع على غاية من الأهمية والتعقيد في مجتمع يرفض الاعتراف بتشوهاته والنظر إلى حقيقة وجهه في المرآة. ونجح المتدخلون في سحب "قضايا البشرة السوداء" من دائرة اللون الضيقة لتشمل ما نحن فيه من نزاعات وصراعات سببها عدم قبول الاختلاف وعدم الاقتناع بأن الأرض تتسع للجميع وأن لا فضل لأي كائن على آخر إلا بما يقدمه من عمل يليق بإنسانيته.

ولقد أحسن فريق العمل باختيار ضيوف من عيار ثقيل قدموا دراسات هامة أتمنى أن تحظى بالنشر لتكون نواة عمل ثقافي مثمر ومستمر.